من إدارة المواقف إلى إدارة الحركة: التفكير الجديد في المدن الحديثة

من إدارة المواقف إلى إدارة الحركة: التفكير الجديد في المدن الحديثة

في أغلب المدن، عندما تُطرح مشكلة الازدحام المروري، يكون الحل المقترح الأول هو: “نحتاج إلى مواقف أكثر"، وغالباً ما يكون ذلك عبر حلول سريعة، وأشهرها وأسهلها هو: تحويل الشوارع الى مناطق خاضعة للأجر!

لكن هذا الحل المباشر غالبًا لا يقترب من جذور المشكلة الحقيقية.

من تجربتي في إدارة المواقف في المناطق الحيوية، رأيت أن التحدي ليس في عدد المواقف المتاحة، بل في طريقة استخدامها وتنظيم الحركة من حولها.

يمكن لأي مدينة أن تُضيف مئات المواقف الجديدة، ومع ذلك يظل الشعور بالازدحام كما هو، لأننا لم نحل السبب الجوهري:
" كيف ينتقل الناس من مكان إلى آخر بسلاسة، وأمان، وكفاءة ؟"

ليس الحل في السماح لشركات المواقف بتحصيل الرسوم على المواقف كخيار وحيد لمعالجة المشكلة، فالقضية أوسع من مجرد تنظيم سيارات أو ترك الشوارع خالية منها.
إنها منظومة معقدة تشمل المشاة، والسكان، والزوار، والموظفين ، والأنشطة التجارية، ووسائل النقل.
والتركيز على فئة واحدة فقط يجعل الحل مختزلاً وقاصراً عن تحقيق التوازن المطلوب في الحياة الحضرية.

هنا تبرز أهمية مفهوم منظومة التنقّل الحضري  (Urban Mobility System)، الذي ينظر إلى المدينة كشبكة حية ومتكاملة، تتحرك فيها السيارات والمشاة ووسائل النقل بانسجام، من خلال تخطيط ذكي يربط المواقف بالطرق والممرات وخطوط النقل العام.

(إدارة المواقف تعني أنك تفكر في أين تقف السيارة، أما إدارة الحركة فتعني أنك تفكر في كيف تتحرك المنظومة)

وهذا الفرق البسيط في اللفظ، هو في الحقيقة تحوّل جذري في طريقة التفكير والتخطيط.

إدارة المنظومة تتطلب أن نفهم كامل رحلة المستخدم، من لحظة مغادرته منزله إلى وصوله لوجهته ، وأن نوفّر له تجربة تنقّل سلسة ومتوازنة، تجمع بين راحة المشاة، وانسيابية المركبات، وكفاءة الوقت والطاقة.

ليس الحل أيضاً أن ننسخ التجربة الأوروبية كما هي، بتقليص مساحات تنقل السيارات وتوسيع مسارات المشاة دون دراسة مدى ملاءمة ذلك لبيئتنا، فالمناخ، والثقافة، وطبيعة الأنشطة اليومية تختلف كثيراً عن مدن أوروبا.
ولذلك فإنّ تبنّي النماذج العالمية دون تحليل واقعي لجدواها قد يؤدي إلى حلول شكلية لا تخدم المستخدم المحلي.

يمكننا - بل يجب علينا - أن نُفصّل نموذجاً سعودياً للتنقّل الحضري يناسب بيئتنا ومجتمعنا، نموذج يحقق العدالة بين المشاة وأصحاب المركبات، ويوازن بين الراحة والكفاءة والاستدامة.

ولذلك فإن التفكير الجديد المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة المواقف إلى إدارة الحركة والتنقل الحضري، ومن الحلول المؤقتة إلى الفكر المتكامل الذي يصمم المدينة حول الإنسان وحاجاته اليومية.