هل أنت تدير مايحدث فقط ؟ أم أنّك تبني مايجب أن يحدث بعد عام ؟
في عالم الأعمال اليوم، يواجه القادة والإداريون تحديات متعدّدة؛ بعضها واضح وجليّ، والتعامل معها لا يتطلب أكثر من الحسم والقدرة على اتخاذ القرار. ولكن في المقابل، هناك تحديات خفية تكمن صعوبتها في أنها لا تُرى بسهولة، ويكمن التحدي الحقيقي في اكتشافها أولاً، ثم معالجتها بوعي وذكاء.
من أبرز هذه التحديات الخفية: الموازنة بين إدارة العمليات اليومية وبين التطوير على المدى البعيد.
العمليات اليومية ضرورية، فهي تحقق نتائج فورية، وتحافظ على استمرارية الخدمة وجودة الأداء، وتُبقي الشركة في تماس مباشر مع عملائها. لكن هذا التركيز اللحظي قد يُغطي بريقه على أهمية تطوير العمل، وتحسين المنتجات والخدمات، ورسم ملامح المستقبل.
قلة من القادة من ينتبهون لهذا التحدي ويحرصون على موازنته، فيوزّعون انتباههم ومواردهم بين ما هو آنيّ وما هو استراتيجي. ويتعقّد الأمر أكثر عند اتخاذ قرارات تخصيص الموارد، كـالوقت والمال والكفاءات، بطريقة تضمن تلبية متطلبات الحاضر دون الإضرار بأهداف المستقبل.
في هذا السياق، قد يبدو الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أو أنظمة تحليل البيانات الضخمة، أو حتى التوسع في مبادرات غير تقنية مثل تنويع مصادر الدخل، استحداث خدمات جديدة، أو استهداف شرائح مستفيدة خارج النطاق التقليدي، عبئًا على ميزانية الربع الحالي. إلا أن هذه الخطوات تُعد ضرورية لبناء أساس تشغيلي متين ومواكِب للتغيرات المستقبلية. وفي المقابل، قد يُرضي التركيز على مؤشرات الأداء قصيرة المدى أو تلبية المتطلبات الشهرية بعض أصحاب القرار، لكنه يُفوت على الجهة فرصة تحقيق استدامة تشغيلية وبناء ميزة تنافسية على المدى البعيد.
القادة الناجحون لا يكتفون بحل المشكلات، بل يسعون إلى بناء أنظمة تمنع تكرارها. يفكرون دائمًا في التحسين، يدرسون البيانات، يحللون الاتجاهات، ويبحثون عن حلول ذكية تحافظ على التوازن بين التشغيل والتطوير، ويكون ذلك من خلال:
1. التفويض الذكي
لا تكن أنت من يُطفئ كل حريق، ابنِ فريقًا يفهم السياق ويتصرف بفعالية دون أن تحتاج إلى التدخل الدائم.
2. المواءمة بين مؤشرات الأداء التشغيلية والأهداف الاستراتيجية
إذا كان هدفك أن تكون رائدًا في رضا العملاء، فاجعل من مؤشرات الأداء التشغيلية أدوات قياس، مثل:
سرعة الاستجابة، رضا العميل، وجودة الأداء.
3. استخدام الأدوات الذكية وتقنيات الأتمتة
الاعتماد على لوحات البيانات وتقارير الأداء يتيح لك المتابعة الدقيقة دون الغرق في كل تفصيلة.
4. تخصيص وقت للتفكير والتطوير
خصص يومًا في الأسبوع للتفكير الهادئ خارج دوامة التشغيل. راجع الاستراتيجية، وافتح مسارات جديدة.
5. ربط المشكلات التشغيلية بفرص التحسين
كل حادثة تشغيلية يجب أن تُدرس، ليس فقط لحلها، بل لتحويلها إلى درس يُغذي تطوير العمل.
6. بناء بيئة تحفز الإبداع والتحسين المستمر
شجّع موظفيك على الربط بين المهام اليومية والأهداف طويلة المدى، اجعل ثقافة التطوير مسؤولية جماعية.
الإدارة الواعية ليست فقط في إتقان التفاصيل، بل في القدرة على رؤيتها ضمن الصورة الأكبر، القيادة التي تكتفي بتسيير العمل اليومي، قد تُرضي اليوم، لكنها لن تبني الغد.
فكر دائمًا: هل أنت تدير "ما يحدث" فقط؟ أم أنّك تبني ما يجب أن يحدث بعد عام؟